نعمة ونقمة الذين يتذكرون كل شيء: متلازمة نادرة لذاكرة خارقة

نعمة ونقمة الذين يتذكرون كل شيء: متلازمة نادرة لذاكرة خارقة

يملكون نقطة ضعف

متلازمة هايبرسيميثيا تمنح اصحابها ذاكرة خارقة

سلط الضوء عليها مطلع الـ ٢٠٠٠

الدراسات ما تزال مستمرة حول الذاكرة الخارقة

المنطقة الدماغية التي تساعد في عملية التذكر أكبر عندهم

النواة الذيلية أيضاً اكبر حجماً

من الناحية التشريحية أدمغتهم لا تختلف كثيراً عن أدمغتنا

نعمة أم نقمة؟

سواء كان عمر الشخص ٨ سنوات أو ٨٠ عاماً، كل يملك أنواعاً أساسية من الذاكرة وهي القصيرة الأمد والطويلة الأمد، وهناك تثبيت الذاكرة التي تقوم بعملها بطرق مختلفة، بالإضافة إلى التعلم والمهارات التي ترتبط بالقدرة على الاسترجاع والتذكر. 
 
الدماغ يملك آلية معقدة حين يرتبط الأمر بالذاكرة والعلماء لم يكتشفوا كل شيء حولها. 
البعض يتمتع بذاكرة طويلة الأمد قوية والبعض لا يملكها، ولكن لو طلبنا منكم تذكر يوم بعينه يعود لأكثر من ١٥ عاماً وطلبنا منكم إبلاغنا بالتفصيل الممل عما كنتم تفعلونه في ذلك ومع من كنت وفي أي مكان؛ فعلى الأرجح لن تقدموا لنا معلومة واحدة. 
 
ولكن هناك بعض الأشخاص الذين يمكنهم القيام بذلك وأكثر وتذكر أي تفصيل في أي يوم من حياتهم. 
الكشف عن «الذاكرة الخارقة» 
 
 
في مطلع الـ٢٠٠٠ تلقى عالم الأعصاب ومدرب الذاكرة جيم ماكغو بريداً إلكترونياً من شابة تدعى جيل براس تبلغه فيه بأنها تتذكر كل يوم من حياتها منذ أن كانت بسن الثانية عشرة، وهي تطلب مساعدته؛ لأنها مرتبكة وتحتاج إلى الإجابات. 
 
بطبيعة الحال العالم شعر بالفضول، فقام بالموافقة على اللقاء بها، وقام ببعض الاختبارات. حدد لها تاريخاً وطلب منها سرد كل الأحداث العالمية في ذلك اليوم، وبالفعل قامت بالحديث عنها كلها وكانت صحيحة. برايس كانت تحتفظ بمذكراتها الخاصة منذ أن كانت مراهقة، فتم سؤالها عن أحداث مرتبطة بها شخصياً، وتمكنت من تذكرها بالفعل. 
 
مرت بضع سنوات من الدراسات وقرر ماكغو إجراء اختبار آخر، وطلب منها تحديد كل التواريخ التي زارت فيها المختبر. قامت بتسجيل المواعيد كلها رغم أن العالم والفريق الذي معه لم يتذكروا معظمها، والمقارنة مع السجلات أثبتت أنها محقة تماماً. 
 
ما تعاني منه "جيل" هو متلازمة "هايبرسيميثيا"، وعدد الحالات حول العالم لا يتجاوز الـ٦٠ حالة. 
ما الأسباب؟ 
 
 
الدراسات ما تزال مستمرة حول الذاكرة الخارقة؛ فالحالة تم اكتشافها منذ ١٨ عاماً ما يجعلها جديدة نسبياً. بعض الدراسات تعزو السبب إلى أن المنطقة الدماغية التي تساعد في عملية التذكر تكون أكبر في دماغ المصابين بالمتلازمة، كما أن النواة الذيلية التي تساعد في عملية التعلم، تكون عندهم أكبر.
 
 ولكن من الناحية التشريحية أدمغتهم لا تختلف كثيراً عن أدمغة الذين يملكون ذاكرة عادية. ما يملكونه هو روابط إضافية بين الفصوص الجبهية المعنية بالتفكير التحليلي والحصين، التي يصفها العلماء بأنها «مطبعة» الذكريات. الجدل هنا حول ما إن كانت هذه الروابط هي نتيجة المهارات أو سببها، وحالياً العلماء لا يملكون الإجابة. 
يملكون نقطة ضعف 
 
 
الدراسات أثبتت أيضاً أنهم يتذكرون بشكل كلي وبتفاصيل اسثنائية الأحداث الشخصية، ولكن المثالية في التذكر هذه تصبح أقل بأشواط حين تكون المعلومات غير شخصية. 
 
في دراسة أجريت عام ٢٠١٣ تبين أنه حتى أصحاب الذاكرة الخارقة عرضة للتضليل ولتذكر معلومات لم تحصل. في التجربة  تم إعطاء المشاركين معلومات مضللة عن سقوط وهمي لطائرة على متنها ٣٨ شخصاً، ٢٠ منهم يعانون من متلازمة هايبرسيميثيا. في جزء آخر من التجربة تم تضليلهم من خلال إعطائهم كلمات خاطئة واستدراجهم إلى سلسلة خاطئة من الكلمات يجمعها رابط واحد. 
 
النتيجة كانت أنه حتى أصحاب الذاكرة الخارقة يملكون نقطة ضعف في ذاكرتهم، وكانوا كما حال أصحاب الذاكرة العادية عرضة لتذكر تفاصيل خاطئة. كل البشر يملكون نقطة ضعف في ذاكرتهم حين تتم استعادة المعلومات من خلال تجميع التفاصيل المعلوماتية والمؤشرات والملامح الخاصة بالأحداث إلى جانب بعضها بعضاً. خلال هذه العملية من الممكن أن تتعرض الذاكرة لتأثير خارجي وإلى تصورات لا تستند إلى الحقائق؛ ما يجعلنا نروي تفاصيل لا تمثل الحقيقة، بل تمثل تحليلاً جديداً للأحداث التي تمت مشاهدتها؛ وعليه الذاكرة الخارقة أيضاً عرضة للتأثر بالتضليل الخارجي. 
نعمة أم نقمة؟ 
 
 
جيل برايس كما قلنا تتذكر كل شيء منذ سن الثانية عشرة من عمرها، ولكن هناك حالات مثل ريبيكا شاروك التي يمكنها أن تتذكر كل شيء في حياتها باستثناء لحظة ولادتها -كما تقول. ولكن العلماء يؤكدون أن ما تختبره هو أحلام يقظة لماضيها وليس ذكريات حقيقية؛ لأن ذاكرة البشر لا تبدأ قبل سن الرابعة، ومع ذلك يمكن لهذه الشابة أن تروي قصصاً حدثت بالفعل وبالتفصيل حين كانت تبلغ أسبوعاً من عمرها. 
القصص عديدة فـ"نيما فيسا" يتذكر كل شيء منذ سن السادسة عشرة، وهو يشبه ذلك التاريخ بأنه «بداية مرحلة التسجيل»؛ لأن الذكريات منذ ذلك اليوم هي أشبه بشريط فيديو ما يلبث أن يتكرر. 
 
بالنسبة إلينا قد تبدو نعمة، ولكن الغالبية الساحقة من الذين تحدثوا عن حالتهم يؤكدون أنها نقمة؛ فحين تقع الأحداث وتبدأ الذكريات المرتبطة بها بالتلاشي بعد شهر -مثلاً- عندنا تصبح أقوى وحية وكأنها ذكريات جديدة عندهم. 
حين نحاول نحن أن نتذكر فنحن نقوم بذلك بشكل متعمد ونبذل المجهود، أما عندهم فهي تحدث بشكل تلقائي، أي أن كل واحد منهم يعيش مع تدفق دائم من الذكريات وبدقة عالية. 
 
المشاعر حية دائمة؛ فمحاولة تجاوز ألم ما أو لحظات محرجة أو فشل ما عندهم مستحيل، فالزمن هنا لا يعالج أي شيء، بل يضاعف الألم؛ لأنهم لا يتمكنون من إيقاف تدفق الذكريات مهما حاولوا. بكل بساطة الأمر أشبه بجرح مفتوح لا أمل بعلاجه. 
المصادر: ١ - ٢ - ٣ 

مواضيع ممكن أن تعجبك

أضف تعليقا

المزيد من مواضيع غرائب ومنوعات