سعينا الدؤوب لترك إرث خلفنا.. هل مقدر للجميع النجاح في ذلك؟

لشكل «البدائي» لترك إرث خلفنا هو من خلال الإنجاب

هل مقدر للجميع النجاح في ذلك؟

سعينا الدؤوب لترك إرث خلفنا

مبرمجون على ترك إرث

ماذا لم كنت متأكداً أنك لن تترك إرثاً؟

ترك إرث لا يتطلب المال

الافعال الخيرة هي التي تترك أثرها على الاخرين

يقال بأننا نموت مرتين، المرة الأولى حين نتوقف عن التنفس والمرة الثانية هي حين يقول أحدهم اسمنا للمرة الأخيرة. الكل يسعى لترك إرث خلفه سواء كان يدرك ذلك أو لم يكن يدركه، ولكن الواقع المرير هو أنه في نهاية المطاف الكل يصبح منسياً، حتى الشخصيات الشهيرة التي تكون في مرحلة النجومية التي يعرف اسمها الجميع تصبح منسية بعد عشرات السنوات بحيث يكون رد الأجيال اللاحقة حين يطرح اسمها «من؟».
 
فكرة أن يتلاشى وجودنا كلياً، جسدياً ومعنوياً، تثير الخوف والاكتئاب؛ ولذلك نسعى بكل قوانا لأن يتم تذكرنا بعد رحيلنا. البعض قد يستسلم بشكل مبكر باعتبار أن «العظماء» فقط هم من يتركون إرثاً يتذكره الجميع، ولكن رغم الاستسلام الفكرة لا تتلاشى، فلماذا نقوم بذلك؟ ولِمَ يحزننا واقع أنه سيتم نسياننا يوماً ما؟ 

مبرمجون على ترك إرث 

 
ترك إرث خلفنا خارج عن سيطرتنا؛ فالأمر مبرمج في كياننا. الشكل «البدائي» لترك إرث خلفنا هو من خلال الإنجاب؛ فالشخص ينجب كي يضمن بأن سلالته ستستمر، وبأن الحمض النووي الخاص به سيتم تناقله من جيل لآخر، هذا من الناحية البيولوجية، أما من الناحية المعنوية فالتناسل يعني حمل اسمه إلى الأبد. ولكن وفي عصرنا الحالي ومع التحولات الكبيرة التي طرأت لم يعد ترك الإرث محصوراً بالإنجاب، بل تم توجيهه نحو الهوية الفردية؛ وعليه فكل شخص يسعى لترك بصمته الخاصة التي تجعل إرثه ملموساً سواء على نطاق ضيق في محيطه العائلي أو على نطاق أوسع في مجتمعه ولبعض الأشخاص على نطاق عالمي. 
 
العلماء يؤكدون أن الكيمياء العصبية التي تدفع البشر للإنجاب من أجل تمرير الحمض النووي الخاص بهم لأولادهم هي نفسها التي تجعلنا نكثرت للإرث الذي نتركه خلفنا
 
فالنظام الحوفي في عقولنا الذي هو الجزء من الدماغ المسؤول عن استجاباتنا السلوكية والعاطفية خصوصاً تلك المتعلقة بالسلوكيات التي نحتاج إليها من أجل البقاء كالتغذية والتكاثر، يفرز المواد الكيميائية المسؤولة عن السعادة حين نقوم بتعزيز النجاح التناسلي. قد لا تكون شخصياً تكترث للتناسل، ولكن المواد الكيمياء في عقلك تكترث له.
 
الحيوانات مثلاً تركز على استمرارية السلالة من دون نية واعية، وعليه تركز على الأمور التي تحفز المواد الكيميائية التي تثير السعادة، وتتجنب الأمور التي تؤدي إلى تحفيز المواد الكيميائية التي تثير مشاعر سلبية. بوصفنا بشراً عقلنا يركز على الإرث بشكل لاإرادي ومن دون نية مسبقة؛ وذلك لأنه يحفز المواد الكيميائية «السعيدة». 

هل مقدر للجميع النجاح في ذلك؟ 

 
في الواقع الإرث الذي يترك حتى من قبل العظماء نادراً ما يبقى إلى الأبد. قلة قليلة من المبدعين تركوا إرثاً استمر مئات السنوات، ولكن لا أحد يضمن استمراريته إلى مئة سنة أخرى مثلاً؛ فربما سنوات عديدة لن يذكرهم أحد، ولن يكونوا جزءاً من الذاكرة الجماعية. ترك الإرث مسألة ترتبط بالكثير من المتغيرات، ولكنها في المقابل أمر نسعى له من دون أن نملك سيطرة عليه، فما الذي يمكن فعله؟
 
ترك إرث لا يتطلب المال، ولا يرتبط بتسمية شارع على اسمك، ولا يتعلق بذكر اسمك في التاريخ. ترك إرثك الخاص هو المعرفة التي تزرعها في غيرك، وكل المحاولات التي تقوم بها خلال حياتك للقيام بما هو صائب ويعود بالنفع على غيرك. إرثك هو الزرع الدائم رغم معرفتك بأنك لا تتذوق الفاكهة يوماً. 
 
أمر صعب ما لا شك فيه، ولكن ما قد يساعدك على الاستمرار به هو واقع أن كل الأمور الجيدة التي نملكها اليوم هي بسبب أشخاص زرعوا ولم يعيشوا لرؤية النتائج. منديل مثلاً اكتشف علم الوراثة، ولكن العالم لم يدرك ذلك إلا بعد ٢٠ عاماً من موته. فينسنت فان غوخ مات من دون أن يجني فلساً من لوحاته وعاش حياته الفنية وهو يتعرض لانتقادات لاذعة لعمله، وكولومبس مات من دون أن يدرك أنه اكتشف قارة. 
 
لو كان البشر بطبيعتهم يزرعون فقط لأنهم يريدون الثمار فإن كل ما نملكه في العالم لكان في خبر كان. التحدي الأكبر الذي ستواجهه هو الاستمتاع بعملية الزرع من دون الاستمتاع بتذوق النجاح. وهذا هو الإرث الذي تتركه.. تزرع اليوم وتستمتع بما تقوم به؛ لأن كل معرفة تزرعها، وكل تجربة جميلة توفرها هي إرثك؛ لأنها ستترك أثرها في شخص ما. 

ماذا لو كنت متأكداً أنك لن تترك إرثاً؟ 

 
إن كنت على قناعة تامة بأنه بعد رحيلك لن يذكرك أحد، ومتصالح مع الفكرة تماماً فأنت محظوظ للغاية؛ لأنك حالياً تعيش حياتك كما يجب وتستمع بالتفاصيل اليومية كما هي، مثلاً قد تكون كاتباً ولكن تدرك أن أي من الروايات التي تكتبها ستحقق نجاحاً ساحقاً، وأنه بعد رحيلك لن يتذكر أي شخص أياً من كتاباتك، وعليه ما يحصل حالياً هو أنك تستمتع بمسار حياتك وبكل الجزئيات المتعلقة بفعل الكتابة والتأليف؛ والسبب هو أنك توقفت عن جعل حياتك تتمحور حول تحقيق نجاح ساحق يضمن لك ترك الإرث، وهكذا بت تستمتع بالتفاصيل وتسعى خلف التجارب التي تجعلك تشعر بالرضا عن نفسك.
 
وطريقة الحياة هذه هي أكثر إشباعاً من الحلم بمسيرة حياة حافلة يتذكرها الجميع. الجميع سيموتون يوماً ما، والإرث الخاص بهم سيموت معهم، ولكن رغم الواقع هذا هناك بعض الأفعال التي لها قميتها كالحب والأفعال الناجمة عن الطيبة، وفعل الخير والتضحيات، وهي التي تجعل وجودنا بوصفنا بشراً له قيمته الفعلية، وهذا هو الإرث الذي على كل واحد منا أن يتركه. 
المصادر: ١- ٢ -٣ 
 

مواضيع ممكن أن تعجبك

أضف تعليقا

المزيد من مواضيع تطوير الذات

مصلحة الشركة على حساب الموظفين.. هل فشلت تجربة تقليل ساعات العمل؟

ماذا لو غادرنا عملنا في وقت مبكر قليلاً عن المُعتاد؟ ماذا لو كان جدول أعمالنا مدته أقصر؟ هل سيكون هذا سرًا لحياة أكثر إنتاجية وصحية؟ هل يمكن أن يجعل ذلك الشركات أكثر كفاءةً؟.في ظل التطورات التي...

أفضل أعمال الخير المناسبة لكل شهر في السنة.. ازرع الفرح في قلوب من لا تعرفهم

التصرف بلطافة مع الآخرين له عدة فوائد، فهو يجعل الشخص راضيًا عن نفسه ويشعر بالسعادة، ومن ثم حياته على الصعيد الشخصي تصبح أفضل.وإلى جانب التصرف بلطافة والقيام بأفعال الخير التي تحسن حياة الآخرين...

مديرك المحتمل «صعب المراس».. هل تقبل الوظيفة في هذه الحالة؟

العمل في بيئة إيجابية وصحية يعد من دون شك أحد العوامل الضرورية لتعزيز مستوى الإنتاجية وتحقيق النجاح والتقدم المهني، ويمكن القول إن بناء علاقات جيدة مع زملائك في العمل ومع مديرك بصفة خاصة من الأمور...